Ads 468x60px

Social Icons

Social Icons

‏إظهار الرسائل ذات التسميات سيرتها الكريمة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سيرتها الكريمة. إظهار كافة الرسائل

( المزار الشّريف )



قال الإمام مجد الدين محمد بن يعقوب الفيروز آبادي في (المغانم المطابة في معالم طابة )
الأَبْواء، بالفتح، وسكونِ المُوَحَّدةِ تحتُ، وفتحِ الواوِ، وبعده ألفٌ ممدودةٌ، فعْلاءُ، من الأبوَّةِ. أو: أفعال، جمع بَوٍّ: الجلد يُحْشَى لِتَرْأَمَهُ الناقةُ، فتَدِرَّ عليه إذا ماتَ ولدُها. أو جمع بُوىً، إلا أن تسمية الأسماء بالمفرد أولى؛ ليكون مساوياً لما سُمِّي به، ففعلاء أشبه، مع أنك لو جعلته جمعاً لاحتجت إلى تقدير واحده.
وسُئل كُثَيِّرٌ الشاعرُ: لم سُمِّيَتْ الأبواءُ الأبْوَاءَ؟ فقال: لأنهم تَبَوَّؤُوها منْزلاً.
وهي قرية من أعمال الفُرْع، من المدينة، بينها وبين الجُحْفة مما يلي المدينة ثلاثةٌ وعشرون ميلاً، فتكون الأبواء على خمسةِ أيام من المدينة.
وقيل: الأبواء جبل عن يمين آرة ، ويمين الطريق للمُصْعِد إلى مكة من المدينة، وهناك بلدٌ ينسب إلى هذا الجبل، وقد جاءَ ذكره في حديث الصَّعْب بن جَثَّامة، وغيره.
وقال السُّكَّري: الأبواء جبل شامخ ليس به شيء من النبات غير الخَزَم والبَشَام، وهو لخُزَاعة وضَمْرة.
قال ابنُ قيْسِ الرُّقيَّات:
فَمِنىً فالجِمارُ منْ عبدِ شَمْسٍ **مُقْفِرَاتٌ، فَبَلْدَحٌ، فَحِراءُ
فالخيامُ التي بِعُسْفان أقْوَتْ **من سُلَيْمَى، فالقَاعُ، فالأبْواءُ
وبالأبواءِ قبرُ آمنة بنتِ وَهْب، أُمِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وكان السبب في مدفنها هناك: أن عبد الله والدَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم كان خرج إلى المدينة يمتار تمراً، فمات بالمدينة، وكانت زوجته آمنةُ بنْتُ وَهْب ابنِ عبد مناف بن زُهْرة بن كلاب بن مُرَّةَ بن كعب بن لؤي بن غالب تخرج في كل عام إلى المدينة، تزور قبره، فلما أتى لرسول الله صلى الله عليه وسلم سِتُّ سنين خرجَتْ زائرةً لقبره، معها عبد المطلب، وأُمُّ أيمن حاضنةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما صارت بالأبواء منصرفة إلى مكة ماتت بها.
ويقال: إن أبا طالب زار أخواله بني النجار بالمدينة، وحمل معه آمنةَ بنت وهب أُمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رجع منصرفاً إلى مكة ماتت آمنةُ بالأَبْواء.

( خطبة شهر الحمل )



الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علما. وأحصى كل شيء عددا. عظّم الأشهر الحُرُم وجعل منها شهره الحرام رجب. وفخّم قدره في الأعصر الخالية وأوجب فخره في الإسلام فوجب. سمّاه رجبا ولقّبه بالأصمّ إذ لا يُسْمَع فيه قعقعة سلاحٍ بين العرب. ورواه بالبر وصبّ فيه الرحمة قلقّبه بالأصب. أكثر فيه النعمة. وأزال فيه الغمّة. وأجاب فيه مَنْ طلب. فسبحانه من إله اختصّ ما شاء من الشهور بما شاء من الفضائل وأخفى ذلك عن الإدراك. حتى تهتمّ نفوس الطالبين وتشتغل هِمَمُ الراغبين في كل أوقاتها بالإستدراك.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. إصطفى عنصر نبيّه الطاهر صلى الله عليه وسلم من أطيب العناصر. وانتقى نسبه الفاخر من أكرم الأواصر. وشرّف به أبوَيْه الطاهرَيْن. وخصّهما بظهور طلعته التي هي أبهج المناظر. وأشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله. وصفيّه من خلقه وخليله. إجتباه ربّه وحماهُ منَ الدنّسِ والرّجسِ. وطهّرهُ تطهيراً. واختار لحمله بطونا وظهورا. ونقل نورهُ من الأصلابِ الطاهرة إلى الأرحام الزكية. تَعظيماً لهُ وتوقيراً. إلى أن خرج من بطن أمّه نورا أضاء لها من الشام قصورا. وابتهج الكَوْن بمقدمه فرحا وسرورا.
لهُ النسبُ العالي فليسَ كمثلهِ ** حسيبٌ نسيبٌ مُحْسِنٌ مُتكرِّمُ
جليلٌ بتاجٍ للجمالِ مُخصَّصٌ ** جميلٌ بآلاءِ البهاءِ مُعَمَّمُ
فما الكوْنُ إلاّ حُلَّةٌ ومُحَمَّدٌ  **طِرازٌ بأعلامِ الهِدايةِ مُعْلَمُ
فصلّوا على الرُّسْلِ الكِرامِ جميعِهِمْ ** وزيدوا على طهَ الصلاةَ وسلِّمُوا

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على سيِّدِنا محمّد. درّة الأكوان. وهديّة الرحمان. وعلى آله البدور الحسان. وصحابته الليوث الشجعان. صلاة تختم لنا بها بخاتمة السعادة والإيمان. وتكسونا بها ملابس الرضى والرضوان. وتسكننا بها مع مَنْ أنعمتَ عليهم أعالي الفراديس وفسيح الجنان. بفضلك وكرمك يا أرحم الراحمين. يا رب العالمين. أمّا بعد: فيا أيّها المسلمون. قد أظلّنا شهر عظيم مبارك، إنّه شهر رجب، أوّل الشهور الحُرُم، التي قال الله عنها في سورة التوبة:((إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)). وهذهِ الأربعةُ الحُرُمُ بيَّنَها النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم في حجَّةِ الوداعِ. كما في الحديث المتّفَق عليه. فعَنْ أبي بَكْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّه قالَ:((إنَّ الزّمانَ قَدِ استدارَ كهيئتِه يومَ خلقَ اللهُ السّمواتِ والأرضَ. السَّنَةُ اثنا عَشَرَ شهراً. مِنْها أربعةٌ حُرُمٌ. ثلاثةٌ متوالياتٌ: ذو القَعْدَةِ وذو الحِجَّةِ والمحرَّمُ. ورجبٌ مُضَرَ. الذي بينَ جُمادَى وشعبانَ)). وسمّي رجب مضر. لأنّ مضر كانت لا تغيّره. بل توقعه في وقته. بخلاف باقي العرب. الذين كانوا يتلاعبون في الشهور. وهو النسيء المذكور في قوله تعالى في سورة التوبة:((إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضِلُّ بِه الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عَاماً لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللّه)). أيّها المسلمون. إنّ أعظم نعمة نتذكّرها في بداية هذا الشهر الميمون. هِيَ الحَمْلُ بالنور المكنون. والسر المصون. والجوهر المخزون. سيّدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم. روى الخطيب البغدادي عن سهل بن عبد الله التستري رضي الله عنه قال: لمّا أراد الله تعالى خَلْق سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلم في بطن أمّه آمنة ليلة رجب. وكانت ليلة جمعة. أمر الله تعالى تلك الليلة رضوان خازن الجنان. بفتح الفردوس وينادي مناد في السموات والأرض: ألا إنّ النّور المخزون المكنون الذي يكوَّن منه النبيّ الهادي في هذه الليلة يستقرّ في بطن أمّه. الذي فيه يتمّ خَلْقُه. ويخرج إلى الناس بشيرا ونذيرا. فعند ذلك أُعطي لمولاتِنا السيّدة آمنة رضي الله عنها من النور والجمال. والبهاء والعفاف والكمال. ما كانت تُدْعى به سيّدة قومها. ولم يبق في تلك الليلة دار ولا مكان إلا ودخله نور. ولا دابّة لقريش إلا نطقت تلك الليلة وقالت: حُمِلَ برسول الله صلى الله عليه وسلم وربِّ الكعبة. وهو أمان الدنيا وسراج أهلها. وبارك الله لعباده ببركة الحمل به صلى الله عليه وسلم في الزرع. حتى كثُر الخير ودرّ الضرع. وصار الخير يتوالى بتوالي أيّامه الميمونة. والبركات تُفاض وبالمسرّات مقرونة. ورحم الله الإمام البوصيري إذ يقول في همزيته مهنّئا السيّدة آمنة رضي الله عنها بهذا الشرف الأكبر والتمييز الأظهر بسبب حملها برسول الله صلى الله عليه وسلم:

                           فَهَنِيئاً بِهِ لآمِنَةَ الْفَضْــــــ** ــــلُ الذِي شُرِّفَتْ بِهِ حَوَّاءُ
                           مَنْ لِحَوَّاءَ أَنَّهَا حَمَلَتْ أَحْـــ***ــــــمَدَ أَوْ أَنَّهَا بِهِ نُفَسَاءُ
                         يَوْمَ نَالَتْ بِوَضْعِهِ ابْنَةُ وَهْبٍ ** مِنْ فَخَارٍ مَا لَمْ تَنَلْهُ النِّسَاءُ
                               وَأَتَتْ قَوْمَهَا بِأَفْضَلَ مِمَّا *** حَمَلَتْ قَبْلُ مَرْيَمُ الْعَذْرَاءُ
أيّها المسلمون. هذه وقفة مع هذه الشخصية العظيمة. والأمّ الجليلة. التي طالما نقّصت المصادر والراويات عنها، ويمكن أن نلمس ملامحها من خلال صورة ابنها العظيم. صلى الله عليه وسلم الذي آوته أحشاؤها، وغذّاه دمها، واتّصلت حياته بحياتها، تندرج سيّدتنا آمنة بنت وهب رضي الله عنها من أسرة آل زُهْرة. ذات الشأن العظيم، فقد كان أبوها وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مُرَّة بن كعب بن لؤي سيّد بني زهرة شرفا وحسبا، ولم يكن نسب سيّدتنا آمنة رضي الله عنها من جهة أمّها دون ذلك عراقة وأصالة. فهي آمنة بنت بَرّة بنت عبد العُزَّى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب بن مُرَّة بن كعب بن لؤي. ويؤكِّد هذه العراقة والأصالة بالنسب إعتزاز الرسول صلى الله عليه وسلم بنسبه. فقد أخرج أبو نُعَيم في دلائل النبوّة من طُرُق عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:((لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيّبة. إلى الأرحام الطاهرة. مصفىّ مهذَّبًا، لا تتشعّب شعبتان إلا كنت في خيرهما)). وقال أيضا:((أنا أنفَسُكم نسبا وصهرا وحسبا)). وذلك على رواية فتْح الفاء في قوله تعالى في سورة التوبة:((لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفَسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ)). ورحم الله الإمام البوصيري حيث قال. وأفصح في المقال:
نَسَبٌ تَحْسِبُ الْعُلاَ بِحُلاَهُ ** قَلَّدَتْهَا نُجَومَهَا الْجَوْزَاءُ
                                حَبَّذَا عِقْدُ سُؤْدَدٍ وَفَخَارٍ **أَنْتَ فِيهِ الْيَتِيمَةُ الْعَصْمَاءُ
فهي رضي الله عنها تلتقي في النسب مع إبنها رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة آبائه في كلاب. نشأت رضي الله عنها في أسرة عريقة النسب، مشهود لها بالشرف والأدب، اتّسمت بالبيان، وعُرِفَت بالذكاء وطلاقة اللسان، وتعدّ أفضل امرأة في قريش نسباً ومكانة. تفتّح صباها في أعزّ بيئة وأطيب منبت. فاجتمع لها من أصالة النسب ورفعة الحسب، ما تزهو به في ذلك المجتمع المكي. المعتزّ بكرم الأصول ومجد الأعراق. فكانت رضي الله عنها تُعْرَف بزَهْرَة قريش. فهي بنت سيّد بني زهرة نسبا وشرفا، وقد ظلّت في خِدْرها محجّبة عن العيون. مصونة عن الإبتذال، حتى ما يكاد الرواة يتبيّنون ملامحها. أو يتمثّلونها في صباها الغضّ، والذي يعرفه المؤرّخون عنها أنّها عندما خُطِبَت لعبد الله بن عبد المطلب كانت يومئذ أفضل فتاة في قريش نسبا وموضعا. وقد وصف ابن هشام السيّدة آمنة رضي الله عنها في سيرته: أنّها كانت يومئذ أفضل فتاة في قريش نسبا وموضعا وجاها وجمالا وكمالا. ووِفْقا لتقاليد العُرْف في ذلك الزمن أقام سيّدنا عبد الله مع زوجته آمنة في بيت أهلها ثلاثة أيام. وكان ذلك في ليلة الجمعة من أوّل رجب في شِعْب أبي طالب. فحملت برسول الله صلى الله عليه وسلم في أوّل ليلة زفافها. وروى ابن سعد، عن يزيد بن عبد الله بن وهب بن زمعة عن عمّه، والبيهقي عن ابن إسحاق رحمهما الله تعالى قال: كنّا نسمع أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما حملت به آمنة كانت تقول: ما شعرت أنّي حملت به ولا وجدت ثقله كما تجد النساء إلا أنّني أنكرت رَفْع حيضتي. وربما ترفعني وتعود. وأتاني آت وأنا بين النائمة واليقظانة فقال لي: هل شعرت أنّك حملت؟ فأقول: ما أدري. فقال: إنّك حملت بسيّد هذه الأمّة ونبيّها. ثم أمهلني حتى إذا دنت ولادتي أتاني ذلك الآتي فقال قولي: أعيذه بالواحد من شر كل حاسد. فإذا وضعته فسمّيه محمدا. وآية ذلك: أنه يخرج معه نور يملأ قصور بصرى من أرض الشام، ولم تطل إقامة سيّدنا عبد الله مع السيدة آمنة، بل اضطرّ لتركها وهي حامل. عندما بعث به والده عبد المطلب في رحلة تجارية إلى الشام. وفي طريق عودته مرض فمرّ بأخواله بني عدي بن النجار في المدينة المنورة. فأقام عندهم شهرا يعانون سُقْمه وشكواه. فتوفي ودفن هناك. ورسول الله صلى الله عليه وسلم له شهران من الحمل. ولم يكن أمام السيّدة آمنةُ بنت وهبٍ سوى أنْ تتحلّى بالصبر على مصابها الجلل، الذي لم تكن تصدّقه حتى إنّها كانت ترفض العزاء في زوجها، ووجدت في هذا الجنين مواساة لها عن فراق زوجها، ووجدت فيه مَنْ يخفِّف عنها أحزانها العميقة. وتتكرّر الرؤى عند السيّدة آمنة. وبعد تسعة أشهر من الحمل جاءها المخاض. فكانت وحيدة ليس معها أحد. ولكنها شعرت بنور يغمرها من كل جانب، وخُيِّل لها أنّ مريم ابنة عمران، وآسية امرأة فرعون، وهاجر أمّ إسماعيل كلهنّ بجنبها، فأحسّت بالنور الذي انبثق منها، ومن ثَمَّ وضعت وليدها كما تضع كل أنثى من البشر.
 وُلِد الهدى فالكائنات ضياء ** وفم الزمان تبسّم وثناء
الروح والملأ الملائك حوله ** للدين والدنيا به بُشَراء
والعرش يزهو والحظيرة تزدهي ** والمنتهى والدرة العصماء

وهنا اكتملت فرحة السيّدة آمنة فوليدها بجوارها، ولم تعد تشعر بالوحدة التي كانت تشعر بها من قبل. وفرح الجدّ عبد المطلب بحفيده، وشكر الرب على نعمته العظيمة. وبعد بضعة أيام جفّ لبن السيّدة آمنة بسبب ما أصابها من الحزن والأسى لموت زوجها الغالي عليها. فأعطته للسيّدة حليمة السعدية لترضعه، وفي الفترة التي عاشها صلى الله عليه وسلم عند حليمة حدثت له حادثة شقّ الصدر التي فزعت النفوس بها. أيّها المسلمون. وحان الوقت الذي كانت السيّدة آمنة تترقّبه. حيث بلغ ولدها السادسة من عمره. بعد العناية الفائقة به. وظهرت عليه بوادر النضج. صحبته إلى أخوال أبيه المقيمين في المدينة المنورة. لزيارة قبر أبيه سيّدنا عبد الله. وفي رجوعها مرضت مرضا شديدا. ((وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ)). كما قال تعالى في سورة ق. ووافتها المنية بالأبواء. ودفنت هناك. رضي الله تعالى عنها وأرضاها. قال تعالى في سورة الاعراف:(( فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ)). فحضنته أمّ أيمن بركة الحبشية. ورجعت به إلى جدّه عبد المطلب. فاعتنى به عناية قوية. وظلّ النبيّ عليه الصلاة والسلام يذكر أمّه حتى كانت حجّة الوداع. ففي كتاب (سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد) للصالحي الشامي قال: روى أبو حفص بن شاهين والمحبّ الطبري في سيرته والدارقطني وابن عساكر عن السيّدة عائشة رضي الله عنها قالت: حجّ بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حجّة الوداع، فمرّ على عقبة الحجون وهو باك حزين مغتمّ، فبكيت لبكائه، ثم إنّه طفق أي شرع يقول:((يا حميراء إستمسكي، فاستندت إلى جنب البعير، فمكث عنّي طويلا ثم عاد إليّ وهو فرح مبتسم، فقلت له: بأبي أنت وأمّي يا رسول الله، نزلت من عندي وأنت باك حزين مغتمّ فبكيت لبكائك، ثم إنّك عدت إليّ وأنت فرح مبتسم فممّ ذاك؟ قال: ذهبت لقبر أمّي فسألت ربّي أن يحييها، فأحياها فآمنت بي وردّها الله تعالى)). وروى السهيلي في (الروض الأنف شرح سيرة ابن هشام) عن عروة بن الزبير عن السيدة عائشة رضي الله عنها:((أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ربّه أن يحيي أبويه فأحياهما له فآمنا به ثم أماتهما)). وقال السهيلي بعد إيراده هذا الحديث. والله قادر على كلّ شيء. وليس تعجز قدرته ورحمته عن شيء. ونبيّه عليه السلام أهل أنّه يخصّه بما شاء من فضله. وينعم عليه بما شاء من كرامته. صلى الله عليه وسلم. وفائدة إحيائهما. مع أنّ أهل الفترة لا يعذّبون. وهي إتحافهما بكمال لم يحصل لأهل الفترة. وقال القرطبي: فضائل النبي صلى الله عليه وسلم وخصائصه لم تزل تتوالى وتتتابع إلى حين مماته. فيكون هذا ممّا فضّله تعالى وأكرمه به، وليس إحياؤهما وإيمانهما به ممتنعا عقلا ولا شرعا، فقد ورد في الكتاب العزيز إحياء قتيل بني إسرائيل وإخباره بقاتله. وكان عيسى عليه السلام يحيي الموتى. وكذلك نبيّنا صلى الله عليه وسلم أحيا الله تعالى على يديه جماعة من الموتى. وما أحسن ما قاله الحافظ شمس الدين بن ناصر الدين الدمشقي. رحمه الله. في كتابه المسمّى: "مورد الصادي في مولد الهادي". بعد إيراد الحديث المذكور منشدا لنفسه:
حبا الله النبيّ مزيد فضلٍ ** على فضلٍ وكان به رؤوفا
فأحيا أمّه وكذا أباه ** لإيمانٍ به فضلا لطيفا
فسلِّم فالقديم بذا قديرٌ  **وإن كان الحديث به ضعيفا
أيّها المسلمون. إنّ للسيّدة آمنة بنت وهب رضي الله عنها فضلا لن نحصيه. ولن تحصيه البشرية جمعاء. إنّها أهدت للكَوْن بأسره ذاك الإنسان الكامل. ذاك النور العظيم! ذاك الرحمة للعالمين! سيّدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم. طيّب الله ثراها. وجعل الفردوس الأعلى مأواها. وأمدّنا بمددها. وأعاد علينا من بركاتها. وأنشقنا نسمة من أسرار نفحاتها. فسلام الله عليكِ يا سيدة الأمّهات. ووالدة أشرف المخلوقات. سيّدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم. اللهم إنّا توسّلنا إليك بأمّ سيّد الأنام. أظلّنا تحت ظلّ عرشك يوم الزحام. وتوفّنا مسلمين وأحسِن لنا الختام. واجعل مقرّنا عندك في دار السلام. بفضلك وكرمك يا أرحم الراحمين. يا رب العالمين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. اه.

نور على نور " الدكتور محمّد عبده يماني رحمه الله "



   لقد اخترت ان أساهم بهذا البحث عن والدة الرسول صلى الله عليه وسلم ، هذه الانسانة التي اختارها الله سبحانه وتعالى ، واصطفاها لتكون والدة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، فكانت بذلك تحمل النور الذي اضاء للعالم ، وهذا النور ظل ينتقل من الاصلاب الطاهرة الى الأرحام الزكية ، حتى وصل الى أمه وأبيه صلى الله عليه وسلم .
وحين اراد الله لهذا النور ان يظهر للوجودكانت حادثة الفداء للذبيح عبد الله بأمر الله وتدبير الله وكان ذلك الحدث مدخلا لالتقاء فرعي الدوحة القرشية بني زهرة وبني عبد مناف سدنة البيت الحرام وجيرانه بخطبة آمنة بنت وهب الزهرية لعبد الله بن عبد المطلبليتحقق موعود الله باصطفاء عبد الله بن عبد المطلب وآمنة بنت وهبقرارا لخير نسمة برأها الله في الوجود.ولينالا شرف أكرم أبوة وأطهر أمومة لخير مولود عرفته الحياة صلى الله عليه وسلم .
وقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم عن طهارة آبائه وأمهاته حيث قال : " لم أزل أتتنقل من الأصلاب الطاهرات إلى الأرحام الزاكيات حتى ولدت من آمنة وعبد الله"   والكافر لا يوصف بالطهارة أبدا بنص القرآن الكريم { إنما المشركون نجس} { فأعرضوا عنهم إنهم رجس } .
وقال تعالى : { وتقلبك في الساجدين } فنوره صلى الله عليه وسلم ينتقل من صلب طاهر إلي رحم زكي ، حتى وصل إلي عبد الله وآمنة ، وفي هذا توضيح لكل ذي بصيرة أن الله اختار لحبيبه صلى الله عليه وسلم أشرف الآباء ، وأطهر الأمهات ، فأشرف الآباء آباؤه ، وأشرف الأمهات أمهاته من لدن آدم وحواء ، إلي عبد الله وآمنة ، لم يدنسوا بشرك ، ولا زنا ، ولا سفاح .
بل اختار له أفضل العشائر ، وأكرم القبائل ، وأشهر الفصائل، فأفضل العشائر عشيرته ، وأكرم القبائل قبيلته ، وأشهر الفصائل فصيلته  ، وذلك شأن الأنبياء والمرسلين يبعثون في أنساب قومهم ، كما ورد في حوار هرقل مع أبي سفيان الذي روته الأحاديث الصحاح . وقد قال صلى الله عليه وسلم : " إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ، واصطفى قريشًا من كنانة ، واصطفى من قريش بنى هاشم واصطفاني من بنى هاشم  ، فأنا خيار من خيار من خيار "  . وقال صلى الله عليه وسلم : " خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح "  "من لدن آدم الى أن ولدني أبي وأمي ، لم يصبني من سفاح الجاهلية شيء "  ، وقال صلى الله عليه وسلم : " ان الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم ، من خير قرنهم ، ثم تخير القبائل فجعلني في خير قبيلة ، ثم تخير البيوت فجعلني في خير بيوتهم ، فأنا خيرهم نفسا وخيرهم بيتا " ، وروى ابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه  وسلم : " ماولدتني بغي قط منذ خرجت من صلب آدم ، ولم تنازعني الأمم كابرا عن كابر حتى خرجت من أفضل حيين من العرب هاشم وزهرة "
وقد أخبر صلى الله عليه وسلم  أنه : ما تشعبت شعبتان إلا كنت في خيرهما " كما سبق في الحديث المتقدم ،  فنحن إذ نتكلم عن أمه الشريفة ، إنما نعرض جزءاً من بيان هذه الخيرة ، وذلك الاصطفاء ، تصديقا لخبر الله على لسان رسوله الذى " لا ينطق عن الهوى " .  
                                             انها آمنة بنت وهب
هذه السيدة هي سليلة اسرة قرشية كريمة ، ولدت في مكة ، بجوار البيت العتيق ، في أم القرى ، بكل ما يعرف لهذه البلدة من حرمات عريقة ، ولأب كريم وجد عظيم ، وفي بيئة تعرف ماله من حسب ونسب وأرومة ، ومن سيدة هي من أفاضل قريش نسبا وموضعا .أبوها وهب بن عبد مناف سيد بني زهرة بن كلاب ( حكيم ) يجتمع نسبها مع النبي في كلاب ، واسم ابي النبي عبد الله بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب ، وجدها عبد مناف يقرن اسمه بابن عمه عبد مناف بن قصي جد النبي صلى الله عليه وسلم ، فيقال : المنافان ، تعظيماً وتكريماً ، ومن ينظر في نسب السيدة آمنة يلاحظ ان هذا النسب من ناحية أمها ايضا ذو عراقة وأصل أصيل ، فهي ابنة برة بنت عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب ، وجدتها لأمها أم حبيب بنت أسد بن عبد العزى بن قصي ، ووالدة أم حبيب هي برة بنت عوف ، يصل نسبها الى لؤي بن غالب بن فهر .
فآمنة من ناحية أمها ومن ناحية أبيها من سلالة طيبة طاهرة وأصل أصيل ، ونسب يعتز به ، ولهذا يقول صلى الله عليه وسلم : " لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة الى الأرحام الطاهرة مهذبا لاتتشعب شعبتان الا كنت في خيرهما " . 
وذكر القاضي عياض في كتاب الشفا ، في فصل كرامة نسبه صلى الله عليه وسلم ، كما جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه واثلة بن الأسقع ، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " ان الله اصطفى كنانة من ولد اسماعيل ، واصطفى قريشا من كنانة ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاني من بني هاشم "  . انه نسب كريم ، وأصل طيب طاهر .
ومن يتتبع سيرة هذه السيدة يجد أنها كانت زهرة يانعة ، وسيدة في بني زهرة  وكما قال ابن اسحق ، كانت يومئذ أفضل امرأة في قريش نسباً ، ولم يخطبها عبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم ، وانما الذي تقدم لخطبتها هو أبوه عبد المطلب ابن هاشم ، وهو من هو في قريش شرفاً وقيادة وريادة ، وأمه فاطمة بنت عمرو المخزومية ، وهي ايضا من صميم البيت القرشي ، وجدته لأبيه سلمى بنت عمرو النجارية الخزرجية ، وهذه السيدة كان لها شأن عظيم ، فقد كانت لاتنكح الرجال لشرفها في قومها حتى يشترطوا لها ن أمرها بيدها ، فاذا كرهت رجلا فارقته . اما جدته لأمه فهي تخمر بنت عبد قصي القرشية ، وأمها سلمى بنت عامرة بنت وديع الفهري ، فهذا الفتى كما جاء ذو شأن عظيم ، وأصل كريم ، كما جاء في جمهرة أنساب العرب : ذو نسب وأصل كذلك ، وخاصة في شأن مكة وضيوف مكة وبيت الله العتيق وزمزم . 
                                           المستقر والمستودع
وعندما نتتبع وضع السيدة آمنة نجد ان النبي صلى الله عليه وسلم هو بضعة أمه ، والبضعة هي قطعة من الانسان ، والولد جزء من أمه وأبيه ، وقال صلى الله عليه وسلم : " أنا خيار من خيار " يشير الى انه ومن انجبوه قد اصطفاهم الله لهذا النسب الطاهر.
فهو اذا انسان كريم ونبي عظيم ، اختاره الله واصطفاه من كنانة من ولد اسماعيل ، واصطفى قريشا من كنانة ، واصطفى من قريش بني هاشم ، واصطفاه من بني هاشم ، وهذا تفسير الحديث : " انا خيار من خيار " .
واذا نظرنا في المستودع الذي اودع الله سبحانه وتعالى فيه هذا النبي الكريم والرسول العظيم صلى الله عليه وسلم ، نلاحظ انه أصل طاهر وهذا من الأمور التي لاتحتاج الى دليل ، فهو كما جاء معنا : نخبة من بني هاشم وسلالة قريش ، وأشرف العرب وأعزهم نفرا ، سواء من قبل أبيه او أمه ، وهو مولود في مكة المكرمة ، ومن اهل مكة المكرمة :  ( واعداؤه صلى الله عليه وسلم يشهدون له بذلك ، ولهذا شهد له به  أبو سفيان بن حرب ـ قبل اسلامه ـ بين يدي ملك الروم ، وكان بينه وبين النبي يومذاك حروب ، وبلغ أبا سفيان ان النبي صلى الله عليه وسلم تزوج أم حبيبة بنت أبي سفيان . قال : نعم الفحل لايقرع أنفه ، وكان مسرورا جدا بذلك مع انه كان بينه وبين النبي حرب ، ولكنه لم يرتفع له سيف بعد ذلك ضد الرسول صلى الله عليه وسلم .فأشرف القوم قومه ، واشرف القبائل قبيلته ، وأشرف الأفخاذ فخذه صلى الله عليه وسلم .قال الله سبحانه وتعالى : { الله أعلم حيث يجعل رسالته }وعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى : { وتقلبك في الساجدين }  قال من صلب نبي الى صلب نبي حتى صرت نبيا .وعن عطاء عنه في الآية قال : " مازال نبي الله صلى الله عليه وسلم يتقلب في اصلاب الأنبياء حتى ولدته أمه " وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى كنت في القرن الذي كنت فيه " )(وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قال جبريل قلبت مشارق الأرض ومغاربها فلم أجد افضل من محمد ، ولم أجد بني أب افضل من بني هاشم " وعن جعفر بن محمد عن أبيه ـ معضلا ـ  قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أتاني جبريل فقال : يامحمد ان الله يعثني فطفت شرق الأرض وغربها ، وسهلها وجبلها فلم أجد حيا خيرا من مضر . ثم أمرني فطفت في مضر فلم أجد حيا خيرا من كنانة ، ثم أمرني فطفت في كنانة فلم أجد حيا خيرا من قريش ، ثم أمرني فطفت في قريش فلم أجد حيا خيرا من بني هاشم ، ثم أمرني ان اختار في أنفسهم فلم اجد نفسا خيرا من نفسك "وعن ابي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ماولدتني بغي قط منذ خرجت من صلب آدم ، ولم تزل تنازعني الأمم كابرا عن كابرا حتى خرجت من أفضل حيين في العرب : هاشم وزهرة "وعن انس رضي الله تعالى عنه قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لقد جاءكم رسول من أنفسكم " بفتح الفاء وقال : " أنا انفسكم نسبا وصهرا وحسبا ، ليس في آبائي من لدن آدم سفاح ، كلنا نكاح "( وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : ان قريشا ( أي  المسعدة بالاسلام ) كانت نورا بين يدي الله تعالى قبل أن يخلق آدم صلى الله عليه وسلم بألفي عام يسبح ذلك النور وتسبح الملائكة بتسبيحه ، فلما خلق الله آدم القى ذلك النور في صلبه . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأهبطني الله تعالى الى الأرض في صلب آدم ، وجعلني في صلب نوح ، وقذف بي في صلب ابراهيم ، فلم يزل ينقلني من الأصلاب الكريمة والأرحام الطاهرة حتى أخرجني من بين أبوي لم يلتقيا على سفاح قط )وعن ابن عباس رضي الله عنهماان النبي عليه الصلاة والسلام قال ـ كما رواه أبو عمر العدني ـ : " لما خلق الله آدم أهبطني في صلبه إلى الأرض ، وجعلني في صلب نوح في السفينة ، وقذف بي في النار في صلب إبراهيم ، ثم لم يزل ينقلني في الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة ، ثم أخرجني بين أبوي لم يلتقيا على سفاح قط ". 
                                             الزواج المبارك
اختار عبد المطلب وهو شيخ قريش وأعلمها بأنسابها عروسا لابنه ، وهي ، فتاة من بيت زهرة ، هي السيدة آمنة بنت وهب ، وهي أكرم فتاة فى قريش ، إذ هي من بني زهرة بن كلاب شقيق قصي ، وهما أشرف أصول قريش ، وأبوها وهب بن عبد مناف سيد زهرة شرفا وحسبا ، وأمها من بني عبد الدار ، فهي من صفوة قريش أبا وأما .. فأما الزوج فهو ا بنه عبد الله بن عبد المطلب ، فهما صفوة الصفوة من قريش كما مر معنا في قول الرسول صلى الله عليه وسلم " لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطيبة إلى الأرحام الطاهرة مصفى مهذبا لا تتشعب شعبتان إلا كنت في خيرهما "  .وربما كانت العروس ترنو من بعيد بروحها وقلبها إلى ابن عمها عبد الله بن عبد المطلب ، أجمل فتيان قريش وأكرمهم ، ومن البديهي أن يخفق قلبها خوفا ويمتلئ الصدر شجنا حين ملأ النبأ أرجاء مكة بأن عبد المطلب سيفي بنذره ويذبح أحب أبنائه إليه. ثم كان الفداء، وكانت نجاة عبد الله من الذبح ، وضجت مكة المكرمة فرحا بالنبأ السعيد ، وامتلأ قلب آمنة بالرضا والسعادة .وما إن فرغ عبد المطلب من نحر الإبل حتى توجه مع جماعة من وجوه بني هاشم إلى بيت سيد بني زهرة وهب بن عبد مناف ، وإلى يمينه ولده الغالي عبد الله ، وتساءلت آمنة : فيم مجئ وفد بني هاشم ؟ ودخلت أمها برة لتزف إليها النبأ ودخل أبوها وهب ليقول في رقة : إن شيخ بني هاشم قد جاء ليطلبك زوجة لابنه عبد الله ، وعاد من فوره إلى ضيفه الكريم ، وترك آمنة في سرور بالغ وحبور تاهت به الدنيا جذلا . إذن لقد اختارها رب العالمين لتكون زوجا لفتى بني هاشم الذي امتلأ وجدان أهل مكة حبا له وتعلقا به ، وها هو ذا القلب الطاهر يخفق عاليا من اثر المفاجأة التي حققت حلمها بسرعة لم تكن تتوقعها ، وأراحت صدرها على صدر أمها برة لتستمد السكينة من حنانها .وتسامعت مكة المكرمة بهذه الأنباء ، فاستعدت للاحتفال بزفاف العروسين  النبيلين أفضل فتى في قريش ومكة المكرمة ، إلى أطهر وأكرم فتاة في الدنيا ، وأضيئت المشاعل في أرجاء الحرم الآمن ، وحفلت دار الندوة بوجوه قريش وسادتها ، واستمرت الأفراح ثلاثة أيام بلياليها ، وانتقلت إلى دار زوجها الحبيب ، دار بسيطة لكنها مع الحبيب أجمل من قصور الدنيا كلها  .وروى عن عبد المطلب أنه قال : خرجت إلى اليمن في رحلة الشتاء ، فنزلت على رجل من اليهود يقرأ الزبور ، فقال : يا عبد المطلب أتأذن لي أن انظر إلى بعض جسدك ؟ قلت : نعم ما لم يكن عورة . فنظر في منخري فقال : أجد في أحد منخريك مُلْكًا وفي الآخر نبوة ، فهل لك من شاعة ؟ قلت : وما الشاعة ؟ قال : الزوجة . قلت أما اليوم فلا . قال : فإذا قدمت مكة فتزوج . فقدم عبد المطلب فتزوج هالة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة ، فولدت له حمزة وصفية . ثم تزوج عبد الله بن عبد المطلب آمنة بنت وهب ، فولدت رسول الله صلى الله عليه وسلم . فكانت قريش تقول : فلج  عبد الله علي أبيه .وفي رواية أخرى أنه قال : وفي الآخر نبوة وإنا نجد ذلك في بني زهرة فإذا رجعت فتزوج فيهم  .ومع شرف نسبها كانت على خلق وتواضع ، دل على ذلك وصفه صلى الله عليه وسلم لها ، ففي الحديث عن ابي مسعود البدري رضي الله عنه قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فكلمه ، فجعل ترعد فرائصه   ، فقال له : " هون عليك فإني لست بملك ، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد "  وهو اللحم المجفف ، وهذا تواضع منه صلى الله عليه وسلم مبينا تواضع أمه ومكانتها.هذا هو الزوج ، وهذه هي الزوجة ، وقد تم الزواج الذي ظل النبي صلى الله عليه وسلم يذكره متواضعا ومبينا منزلة أمه ومكانتها وشرف نسبه اليها بأنه ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد ، فهو تراه ينتسب لأمه تارة ، وأخرى ينتسب لجده مبينا فضله ومكانته ، كما جاء معنا يوم كان يقول : " انا ابن الفواطم والعواتك" ."أنا محمد بن عبد الله الخ .. وخرجت من نكاح ولم اخرج من سفاح من لدن آدم حتى انتهيت الى أبي وأمي فأنا خيركم نسبا وخيركم أبا "وأخرى كان يقول ـ وقد اقدم في المعركة  ـ  : " انا النبي لا كذب .. انا ابن عبد المطلب "نسب لجده لا لأبيه لشهرته به وللتعريف والتذكير فيما اخبرهم به الكهنة قبل ميلاده ، وانه ان يظهر من بني عبد المطلب نبي فذكرهم بأنه ذلك المقول عنه لاللفخر ولا للعصبية وقد قال صلى الله عليه وسلم : " انا سيد ولد آدم ولافخر ، وبيدي لواء الحمد ولافخر ، وما من نبي آدم فمن سواه الا تحت لوائي وأنا أول شافع وأول مشفع ولافخر"  
                                           بشائر  ومعجزات
حملت السيدة آمنة بنت وهب الزهرية أكرم جنين ، وتوالت عليها البشائر بفضل الله الذي أكرمه الله بها عندما اختارها لتكون اما لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولقد اراد الله ان تظهر آيات نقلها رواة الحديث عن ولادته فقد ظهرت آيات كثيرة عند مولده صلى الله عليه وسلم تدل على نبوته ورسالته .قال القاضي عياض رحمه الله في الشفا : ومن ذلك ما ظهر من الآيات عند مولده  وما حكته أمه ، وما حكاه من حضره من العجائب ، وكونه رافعاً رأسه عندما وضعته شاخصاً ببصره إلى السماء   ، وما رأته أمه من النور الذي خرج معه عند ولادته حتى رؤيت منه قصور بصرى ، وما رأته إذ ذاك أم عثمان ابن أبي العاص الثقفي من تدلي النجوم ، وظهور النور عند ولادته حتى ما ننظر إلا النور ، وقول الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف : لما نزل صلى الله عليه وسلم على يدي فأستهل أي عطس فسمعت قائلاً يقول : رحمك الله ، وأضاء لي ما بين المشرق والمغرب حتى نظرت إلى قصور الروم   .وروى ابن جرير في تاريخه والبيهقي وأبو نعيم ، كلاهما في الدلائل ، والخرائطي عن مخزوم بن هانئ عن أبيه قال : لما كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتج فيها إيوان كسرى ، وسقطت منه أربع عشرة شرفة ، وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام ، وغاضت بحيرة ساوة ، ورأى الموبذان إبلا صعاباً تقود خيلاً عراباً قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادهم .وقد ولدت السيدة آمنة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين في شهر ربيع الأول من عام الفيل ولد في الشعب في الدار المعروفة عند الصفا ، وقد كانت لمحمد بن أبي يوسف أخي الحجاج ، ثم بنتها زبيدة مسجدا حين حجت . 
                                          وفاتها في الأبواء
اراد الله ان تكون وفاة السيدة آمنة في الأبواء ، وقدر له صلى الله عليه وسلم أن يصاب بموت أمه كما أصيب بموت والده من قبل وهو لا يزال جنينا .قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن أم رسول الله صلى الله عليه وسلم آمنة توفيت وهو ابن ست سنين في الأبواء بين مكة والمدينة، وكانت قد قدمت به على أخواله ( أي اخوال جده عبد المطلب ) من بني عدي بن النجار تزيره إياهم ، فماتت وهي راجعة به إلى مكة . ومر معنا ما قالت للنبي صلى الله عليه وسلم وما سُمع من ُنَوْاح الجن عليها عند موتها. ولعلها قصدت أيضا زيارة قبر أبيه عبد الله بن عبد المطلب.فعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أمه آمنة بنت وهب ، فلما بلغ ست سنين خرجت به إلى أخواله بني عدي بن النجار بالمدينة تزورهم به ، ومعه أم أيمن تحضنه ، وهم على بعيرين فنزلت به دار النابغة فأقامت به عندهم شهرا. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر أمورا كانت في مقامه ذلك.لما نظر إلى أطم ـ حصن ـ بني عدي بن النجار في المدينة عرفه فقال: كنت ألاعب أنيسة جارية من الأنصار على هذه الآطام ، وكنت مع غلمان من أخوالي نطير طائرا كان عليه يقع. ونظر إلى الدار فقال: ههنا نزلت بي أمي ، وفي هذه الدار قبر أبي عبد الله بن عبد المطلب ، وأحسنت العوم ـ السباحة ـ في بئر بني عدي بن النجار. وكان قوم من اليهود يختلفون ينظرون إليه ، قالت أم أيمن: فسمعت أحدهم يقول: هو نبي هذه الأمة وهذه دار هجرته . فوعين ذلك.ثم رجعت به أمه إلى مكة ، فلما كانوا بالأبواء توفيت أمه آمنة بنت وهب ، فقبرها هناك. فرجعت به أم أيمن إلى مكة وكانت تحضنه .كان صلى الله عليه وسلم وفيا لم ينس هذه الأم الرحيمة ، وشفقتها عليه فظل يذكرها حتى بعد هجرته الى المدينة المنورة ، وقد زار قبرها في الأبواء ، ,استأذن ربه في زيارتها ، وبكى صلى الله عليه وسلم ، ,أبكى من كان معه .رحم الله السيدة العظيمة آمنة بنت وهب ، فقد كانت من اهل الفترة هي وأبوه عبد الله بن عبد المطلب ، والذين قال فيهم الله سبحانه وتعالى : { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } وجاءت الآيات المبشرات لرسول الله صلى الله عليه وسلم :{ ولسوف يعطيك ربك فترضى }.